الايام بقت شبه بعضها. ساقية و دخلت فيها. بتنام عشان تصحى تروح الشغل و لو هتشوف صحابك شوية و تعد على الموبايل حابة تاكل و تشرب و تنام عشان تعيد نفس اليوم تاني. روتين مميت. و روح فاضية. ربطت سعادتك باشياء واهية وجودها مؤقت و مسيرها تسيبك و تمشى.
قلبك بقى مليان حزن و فاض بيا. بقيت بتخاف من كل حاجة. بتخاف تقرب تتكسر و بتخاف تبعد تتوجع و تبقى لوحدك. بتخاف تجرب الجديد فتشتاق لكل حاجة اعتد عليها زمان. و تخاف تفضل في الانت فيه و اتعودت عليه فتتفرم في معجنة الروتين من تاني. دواير آعد تلف فيها و مش عارف تطلع منها.
حالة من اليأس اصابتك فزهدت الحياة و البشر. و قررت تتقوقع جوا نفسك و تطلق العنان لأفكارك تسيطر عليك. حلقات مكثفة من جلد الذات و لوم النفس. مسورة من اسئلة ليه بتفرقع في وشك. و للأسف معندكش اجابة على ولا ليه منهم.
فتقرر تجري… تجري من نفسك و من ذكرياتك و من الناس و من الحياة. بتهرب من ايه و بتجري لفين…مش عارف… لكنك بتقرر تكمل كدة لحاد اما تيجي لحظة تعلن فيها انهيارك. فترفع رايتك البيضاء و تصرخ باعلى صوت و تقول أنا تعبت…
لكن في اللحظة ديه من حياتك هتكتشف انك في ماراثون ملوش خط نهاية. و انك حتى لو تعبت مش هينفع تقف. و الحالة الوحيدة اللي هتخليك تطلع برا الماراثون ده هو موتك!
جيل اتكتب عليه اليأس و الإحباط بالجاف. مهما حاول يمسحه أو يتخلص منه فلا زال هيسيب أثر.
آخر دراسة حديثة أجرتها منظمة الصحة العالمية، قالت فيها إن ما يقرب من 15٪ من الشباب في جميع أنحاء العالم يشعرون باليأس. و في جنوب إفريقيا بالذات، فبترتفع النسبة ديه إلى 25٪. و اليأس بتختلف أسبابه من فقر، وبطالة, لعنف اسري أو مجتمعي، لتمييز بين الطبقات و عدم توافق الفرص، لسوء المعاملة، لسوء الصحة العقلية، للتعرض لأحداث مؤلمة زي فقدان شخص عزيز على قلبك. أو شغل بتطمح ليه بقالك مدة و موصلتلوش، أو انفصالك عن حب عمرك. كلها أسباب بتوصلك لأعلى مراحل يأسك.
و بجانب كل ده يجي المجتمع يضغط عليك أكثر و يقولك انت متأخر، انت فاشل، انت مبتعملش حاجة. انت لازم تكون معاك على الأقل مليون جنيه و عربية بتاعتك و بيت باسمك و حياة اجتماعية رائعة و بتشتغل شغلانة بتحبها و شغوف بها. و متنساش بقى كل ده يبقى قبل الـ 25 سنة. و إلا هتبقى انسان فاشل.
مجتمع مش بيسمح لك بفرص عادلة و بيطلب منك المستحيل. و للأسف المجتمع ده مش بس بيكون الدايرة الكبيرة في حياتك. ده ممكن يكون دائرتك الصغيرة من صحابك و أهلك و حتى شريك حياتك.
خليني اسألك سؤال دايركت. و العمل ايه؟ هل هتستسلم ليأسك و تستنى وفاتك؟
بص يا ابن جيلي. اليأس سجن بلا عمدان. كدة كدة هيحوطك و لو مرة في حياتك على الأقل.
هتوصل لاسوأ صورة من نفسك و هتشوف أكثر جوانب فيك سوءً و رعبا. هتشوف الدنيا سودة و هتتمنى الهلاك أكثر من النجاة. نصيحة مني قبل اما اقولك الكلام العلمي اللى مكتوب فى أغلب الكتب، تقبل حالتك زي ما هي. متحاولش تهرب منها و لكن برضو متسمحلهاش أنها تسيطر عليك.
بعد مرحلة التقبل بتيجي مرحلة التعبير. عبر عن حزنك و يأسك و متكتمهوش جواك. أنا عارفة انك مش قادر تتعامل مع حد حتى أقرب الناس ليك. ومع ذلك حاول تلاقي طريقة تطلع اليأس اللي جواك و تعبر عنه. افتح الموبايل ريكورد و سجل الكلام المحبوس جوا قلبك. امسك قلم و هات ورقة فاضية و اكتب اللي جواك. افتح النوت باد على لاب توب بتاعك واكتب اللي بيدور في بالك. نزل مذكرة رقمية على تليفونك و اكتب اللي حاسس بيه. اطلع على قمة عالية في بلدك و اصرخ و اتكلم بكل اللي جواك. متسبش كلام حبيس روحك. و ديه أهم و أصعب و أكثر خطوة ألما عليك. بس مهمة جدا تعملها. ديه بداية انك تتصالح مع الجزء المتبقي من روحك.
تاني حاجة لازم تعملها انك تقنع نفسك اني كل ده هيعدي. زمان وانا صغيرة كنت بطيب خاطري و اطبطب عليها باني اقول لنفسي اني مافيش حاجة دايمة. كل حاجة مسيرها هتزول حلوها و مُرها. السعادة مؤقتة و الحزن كمان مؤقت. أي شعور بتمر بيه مؤقت. و ده كان بيساعدني جدا اني على الأقل حتى لو حزينة مسمحش لليأس و الحزن اني يوقف حياتي.
تالت حاجة لازم تقنع بيها نفسك. انك مش لوحدك. أكيد المشاعر لا تناقش، فمن حقك تحزن و من حقك اننا نحتويك ونطبطب عليك. بس من جواك لازم تتأكد انك مش لوحدك اللي بتمر بالتجربة ديه و مش لوحدك اللي في قمة يأسك. متسمحش لسؤال “ليه أنا؟” انه يسيطر عليك. ده هيبرد قلبك ولو قليلا. لأن تشابه التجارب بين البشر بتدينا دافع أمل اني كل ده هيعدى و إني أكيد يوما ما هنكون فى حال أفضل.
رابع حاجة لازم تعملها انك تدور على رفقة تحاوط بيها نفسك. تسمح لهم انهم يطبطبوا عليك و يدوك دافع امل تكمل. بس افتكر اني الصاحب ساحب و أنك في أسوأ مراحل حياتك. فانتقى الناس اللي هتحاوط نفسك بيها. انت ممكن تحاول تتغلب على يأسك بانك تلعب رياضة مفيدة و ممكن تحاول تعدي يأسك و حزنك بأنك تشرب مخدرات. و الحق يقال نفسك سيئة و الصحبة الكويسة هتلجمك و هتساعدك تتغلب عليها. فانتقى صحبتك و شوف هتسمح لمين يكون حواليك.
آخر و أهم حاجة لازم تعملها انك تتصالح مع نفسك. خليني أكون صادقة معك. اليأس هياكل جزء من روحك. هيغيرك و هيخليك تبص للأمور من كذة منظور مختلف و بعيد كل البعد عن منظورك اللي متعود عليه.
تقبل التغيير و احتوي نفسك و سامحها. انت بشر ضعيف مش ملاك. طبيعي مش كل قراراتك تكون صح و مش كل محاولاتك تصيب. طبيعي تكون ملاك و شيطان. طبيعي تبقى الطيب و الشرير. الأهبل و الناصح. طبيعي التناقض اللي فيك و اللى بتمر بيه. تصالح مع كونك بشري مخلوق عشان يغلط و يتوب. يفشل و يقوم تاني يحاول. يضعف و ينكسر عشان يقوى. تصالحك مع نفسك هيريح بالك و يطبطب على قلبك. و لازم تتقبل اني الواقع مش احسن حاجة و انه بحلوه و مره لازم تعيشه لاني حلوه و مره كده كده هيعدي. و إني اللحظات الحلوة اللى بتعشها في حياتك هي اللى بتملى مخزون طاقتك عشان تعرف تكمل في ايامك الوحشة.
و أرجوك يا صديقى انا بفكرك و افكرني، لازم تتقبل اني التمني اللى جواك تمني زائف. مفيش حاجة هترجع زي ما كانت. و مافيش مياه هترجع لمجاريها. الشغلانة اللي فاتتك مكنتش ليك يا صديقي. والدك اللي اتوفى نحتسبه من أهل الجنة و ندعي اننا نكون بصحبته من أهل الجنة. حُب عمرك اللي مكملش مش نصيبك يا صديقي فالله لا يفرق بين قلبين لهما نفس النية الطيبة و القلوب على نواياها تلتقي. مهما كان سبب يأسك يا صديقي فأرجوك تصالح مع فكرة اني اللي راح مكنش خير ليك و اللي جاي اكيد هو الأفضل.
دُمت بخير يا صديقي،
نورهان سعيد

